الأسئلة الشائعة | English

نبذه عن حياة الشيخ عيسى 


حكمة رجل في بناء دولة

كان تأثير الشيخ عيسى راسخاً في الشؤون السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية في بلاده لمدة أربعة عقود من الزمان عميقة وبعيدة المدى. إبتداءً من عام 1961م إلى عام 1999م عمل الشيخ عيسى على الارتقاء بالجزر منذ كانت تحت حماية بريطانية إلى أن أصبحت دولة حديثة تحكمها سيادة القانون، و بناء بنية تحتية متينة، وتكوين سمعة مصرفية دولية ومركز مالي.

كرجل دولة ماهر، تميزت فترة حكم الشيخ عيسى بتكريس جل اهتمامه ووقته نحو إدارة الموارد المحدودة للبحرين وتقديم أفكار مبتكرة في مجالات التنمية الاقتصادية، والعلاقات الدولية والرفاه الاجتماعي. وأكثر ما يتذكره الناس عنه هو شخصيته الرائعة التي برزت من خلال بناء علاقات وشراكات قوية مع الأفراد من جميع المستويات. وحتى بعد وفاته، لا يزال يشكل رمزاً للرجل والحاكم الملهم.


مؤسس دولة البحرين الحديثة

ولد المغفور له الشيخ عيسى في قرية الجسرة، بتاريخ 3 يونيو 1933م، وأمضى سنوات شبابه يصغي، ويتأمل، ويتعلم من واقع السياسة الشائك المعقد في مجلس والده، وقد كان لما عرفه وتلقاه في مجلسه من خبرة واقعية ومعرفة بأمور الحياة وشؤون الحكم الأثر الكبير في إدارته للبلاد فيما بعد. ومع بدء توليه للمسؤوليات، ترعرع ليصبح رجل دولة من الطراز الأول، واكتسب بالفطرة مهارات الدبلوماسية، وحسن العرض والأداء، والقدرة على التوسط وحل النزاعات. وفي عام 1961، تولى الحكم خلفا لأبيه، الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة، وخلال بضع سنوات أصبح يُسخِّر كل ما لديه من حكمة وبصيرة سياسية للعمل على انتزاع استقلال البحرين من بريطانيا وتشكيل حكومته.

منذ الأيام الأولى في إمارته، بدا جلياً أنه يسعى لتأسيس دولة مستقلة ذات سيادة. وبحلول عام 1964م اقترح سلسلة من الإصلاحات الاقتصادية الخلاقة، كان أهمها تأسيس مجلس نقد البحرين، وقد عمل مجلس نقد البحرين، خلال سنة واحدة، على إصدار عملة بحرينية (الدينار البحريني)، والاستقلال عن عملة إمارات الخليج الأخرى، مما أتاح لدولة البحرين البدء في بناء اقتصاد رائد ومميز.

في أواخر الستينيات، واصل الشيخ عيسى تجسيد رؤيته للبحرين دولةً مستقلةً ذات اقتصاد متين، وتم، بتوجيهات منه، اتخاذ سلسلة من الإجراءات لتشكيل نواة الحكومة، مثل اعتماد مجلس للدولة ووزارة الشؤون الخارجية، و قد كانت هذه الخطوات بمثابة حجر الزاوية لتشكيل حكومة مركزية.

كان عهد الشيخ عيسى عصر التأسيس لدولة عصرية متماسكة، عصر بناء المؤسسات، بكل ما لهذه الكلمة من معنى. فبعد عام واحد من الاستقلال، أعلن عن الانتخابات الأولى في البلاد لتشكيل لجنة لصياغة الدستور، كُلفت بصياغة دستور الدولة الوليدة. ووسط الانتقادات الموجهة للجنة، خفض الشيخ عيسى، بدبلوماسيته المعروفة، عدد الأعضاء المعينين، ليسمح للشعب بلعب دور أكبر في تشكيل هذه الهيئة السياسية الهامة. وبحلول عام 1973، تمت المصادقة على مشروع الدستور الذي منح المرأة حقوقها القانونية، وسمح بتشكيل النقابات، وأقر الانتخابات.

ضمن حرص الشيخ عيسى الكبير، ومسعاه لتأسيس الدولة الحديثة، وعنايته بحاجات وتطلعات جميع الطوائف، بزغ نجم دولة البحرين كدولة مستقلة موحدة، وكذا إصراره الدائم على اتخاذ مسار معتدل مهما تطلب الأمر من تضحيات ومن مواجهة تحديات. وتحسب له مبادراته الجريئة غير المسبوقة لوضع دستور، وإجراء انتخابات مفتوحة لا يزال يتردد صداها في الأوساط السياسية حتى يومنا هذا.


الشراكات الاقتصادية والدولية

منذ أيام الاستقلال الأولى، بدأ الشيخ عيسى (رحمه الله) بتعزيز السياسة الخارجية، وتمكن من تحقيق خطوات متقدمة مستنداً إلى علاقات الترابط المتينة مع الشرق الأوسط، اضافة إلى الانفتاح على العلاقات مع الغرب. أظهر(رحمه الله) حماساً كبيراً لتأسيس الشراكات والتحالفات الدولية، وقد شكل تفانيه في العمل لتحقيق ذلك أهم ملامح قيادته طوال الأربعة عقود. وكان أول قرار اتخذه بعد أن أصبح أميراً للدولة المستقلة التقدم بطلب عضوية البحرين لدى كل من الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية.

قادت سياسته الخارجية الحكيمة البحرين للانضمام لمجلس التعاون الخليجي عام 1981م، الذي يوفر لدول الخليج منفعة متبادلة، ويهدف إلى تعزيز التعاون الاقتصادي بين الدول الأعضاء، وضمان أمنهم الجماعي. ويتألف مجلس التعاون الخليجي، إضافة للبحرين، من الدول الخليجية الخمس المجاورة لدولة البحرين وهي المملكة العربية السعودية، وسلطنة عمان، والكويت، والإمارات العربية المتحدة، وقطر.

تضمنت رؤية الشيخ عيسى (رحمه الله) تأسيس اقتصاد ليبرالي مفتوح استطاع استقطاب الاستثمارات الأجنبية، وساعد في تقدم البلاد وارتقائها إلى مجتمع متعدد الثقافات والأديان. وعلى الرغم من أن دولة البحرين بدأت باستخراج النفط قبل أي دولة في الشرق الأوسط، إلا أن نفطها نضب بسرعة، وقد أصبح مخزون النفط محدوداً جداً بعد سنة واحدة من ولادة الشيخ عيسى. وبسياسة حكيمة تنم عن بعد نظر، جعل الشيخ عيسى مسألة تنويع مصادر الدخل في أول سلم أولوياته، وأسس لاقتصاد يقوم على التجارة والاستثمار، والخدمات المصرفية، والخدمات الأخرى، مما حقق ازدهاراً كبيراً للبحرين خلال فترة حكمه، وحتى يومنا هذا. ويمكن القول بأن أمير البحرين جعل بلاده أول دولة خليجية تتخطى مرحلة الدولة النفطية، وتؤسس لدولة في حقبة ما بعد النفط، ممهداً الطريق لدول الخليج الأخرى لاتخاذ ذات التحول الاقتصادي في المستقبل.

وقد وصلت تجليات رؤية المغفور له لتنويع الاقتصاد، وزيادة التكامل مع دول الجوار، ذروتها عند افتتاح جسر الملك فهد عام 1986م، فقد ظل المغفور له يسعى سعياً حثيثاً، لأكثر من عقد من الزمن، لدى المملكة العربية السعودية لبناء جسر يربط بين البلدين، وما فتئ الجسر يلعب دوراً بالغ الأهمية في تنشيط التجارة وتعزيز السياحة في البحرين. ومنذ افتتاحه وحتى يومنا هذا، يعد جسر الملك فهد رمزاً للعلاقات المتينة بين المملكتين.


أولوية الرعاية الاجتماعية

لقد عُرف الشيخ عيسى بتعاطفه وتراحمه، وحلمه ورأفته بشعبه، وقد كانت مآثره تتخطى في كثير من الأحيان نداء واجب الحاكم المؤتمن إلى ضمير الإنسان الحي النابض، وقد كان يحتفي بكل أفراد شعبه، يتفاعل معهم، ويشملهم بعطفه ورعايته؛ وانسجاماً مع فلسفته الإنسانية وقيمه، ظل مصراً على عقد المجالس المفتوحة في قصره، حيث يمكن لأي شخص أن يقترب منه، يحادثه، ويشاطره مخاوفه ومكامن قلقه، ويعرض مقترحاته، أو يقدم طلباته وملاحظاته، في جو قريب من النفس، حيث لا يحول بينه وبين الأمير حائل؛ يجالسه، ويحادثه، ويرتشف القهوة معه. وما زال الكثير يتذكرون مجلسه الذي حظي بكثير من الاحترام، وأكسبه الولاء ومحبة الناس في كل أركان الأرض.

تتجلى روح الشيخ عيسى الإنسانية أكثر ما تتجلى في التقدم البارز الذي أحرزته البحرين في مجالات التعليم، والرعاية الصحية، والرعاية الاجتماعية خلال فترة حكمه. وقد كان مشروع الإسكان واحداً من أبرز مشاريعه التي تصدت لتحدٍ ديموغرافي نجَمت عنه أزمة في السكن في البلاد مع تزايد عدد السكان على مدى قرن من الزمن. وما تزال التجمعات السكنية المخصصة للأسر ذات الدخل المحدود، مثل مدينة عيسى ومدينة حمد، أكبر شاهد على مسعى الشيخ عيسى لتحسين مستويات المعيشة لشعبه. وقد آمن الشيخ عيسى(رحمه الله) بضرورة توفير الرعاية الصحية المجانية لمواطنيه، وجعلها من أهم واجبات الحكومة، فقام بتأسيس مجمع السلمانية الطبي في عام 1978م، ومستشفى الخدمات الطبية الملكية البحرينية في السنة التالية.

رفع الشيخ عيسى من شأن التعليم، وعزز من مكانته؛ كيف لا؟ وهو القارئ الشغوف للشعر والأدب، والراعي لكافة الفنون، فمنذ بداية عهده تطلع الشيخ عيسى لجعل دولة البحرين العاصمة الفكرية لدول الخليج، ووضع هذا الهدف نصب عينيه، وبالتعاون مع اليونسكو وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، افتتح الأمير المعهد العالي للمعلمين عام 1966م والمعهد العالي للمعلمات عام 1967م. تأسست في عهدة أسرة الادباء والكتاب عام 1969م والعديد من المسارح وجمعيات الفن التشكيلي ومؤسسات النفع العام.


إرث عظيم

أسلم الشيخ عيسى (رحمه الله) روحه إلى بارئها في 6 مارس 1999م في قصر الصخير، مسبلاً عينيه، بكل الرضا، على كل أحلامه ومنجزاته الكبيرة، إذ تمكن خلال 38 عاماً من الحكم، برؤيته الثاقبة، وسياساته الحكيمة من تحويل البحرين إلى دولة حديثة ذات مستوى معيشة مرتفع، واقتصاد قوي ومتنوع، واستطاع أن يترك لها من بعده العديد من الحلفاء والأنصار في مختلف أنحاء العالم.

وصفه الرئيس الأمريكي بيل كلينتون بـ "صديق السلام العظيم"، معبراً عن حزنه العميق لوفاته، أما الأمين العام السابق للأمم المتحدة، كوفي عنان، فقد تأسى لفداحة الخسارة مذكراً بأننا خسرنا "قوة الاستقرار" في المنطقة. وقد حضر جنازة الشيخ عيسى الآلاف من البحرينيين، تناثرت في الشوارع، مع الزهور، دموعهم. إضافة إلى قدوم العديد من زعماء العالم الى البلاد لتقديم العزاء.

ويبقى الكل يتذكر الشيخ عيسى، القائد الرحيم، الذي احتضن شعبه، وكلأه برعايته وعطفه ورأفته، ورسخ خطوات بلاده، واضعاً إيّاها على مسار التقدم والتمدن، إذ جهزها وأعدها لمواجهة تحديات القرن الـحادي والعشرين منذ فترة مبكرة.

تأتي جائزة عيسى لخدمة الإنسانية لتذكّرنا دائماً بإنسان عظيم وحاكم إنسان، تتجلى روح إنسانيته في كل ما ترك من إنجازات، وكل ما حققه للإنسانية جمعاء؛ و لتبقى تتذكر الإنسانية من عاش لأجلها، ولأجلها قضى.

JoomShaper